فخر الدين الرازي
139
تفسير الرازي
هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات . الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون ، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا ، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا . الثاني : أن قوله : * ( الأعلى ) * تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه : * ( الأعلى ) * أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل . والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير . المسألة السابعة : روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول : " لو علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة " وروى : " أن عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يسر على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشاً ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى ) فقالت عائشة : لا آب غائبكم ، ولا زالت نساؤكم في لزبة " والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى ) * فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالتسبيح ، فكأن سائلاً قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة ، فما الدليل على وجود الرب ؟ فقال : * ( الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى ) * واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند أكابر الأنبياء عليهم * والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ، أنه قال : * ( الذي خلقني فهو يهدين ) * ( الشعراء : 78 ) وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهارون عليهما السلام : * ( فمن ربكما يا موسى ) * ( طه : 49 ) ؟ قال موسى عليه السلام : * ( ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) * ( طه : 50 ) وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله : * ( إقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ) * ( العلق : 2 , 1 ) هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال : * ( إقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم ) * ( العلق : 4 , 3 ) وهذا إشارة إلى الهداية ، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة في هذه السورة ، فقال : * ( الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى ) * وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيراً لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر ، ومشاهدة الإنسان لها ، واطلاعه عليها أتم ، فلا جرم كانت أقوى في الدلالة ، ثم ههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( خلق فسوى ) * يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه ، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً أحدها : أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة ، على ما قال : * ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) * ( التين : 4 ) وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ، وثانيها : أن كل حيوان